المجتمع المدني في السودان: الأدوار، التحولات، والتحديات

في لحظة تاريخية يمر بها السودان، حيث تتقاطع جراح الحرب مع آمال جيل يتطلع إلى مستقبل أفضل، يظل صوت الشباب والمجتمع المدني شعلة النور في عتمة الدمار .. وهذه عبارة عن ملخص مشاركتي في ندوة أقيمت بمناسبة اليوم الدولي للشباب، بمقر المنظمة الأفريقية في كمبالا، حيث سعيت من خلاله إلى إبراز الدور الجوهري الذي يضطلع به الشباب السوداني ومنظماته المدنية في مقاومة الاستبداد، والدعوة إلى السلام، وبناء وطن قائم على العدالة والديمقراطية، وهذا الملخص ليس مجرد استعراض لتجاربنا، بل هو شهادة حية على إصرار جيل كامل على تحويل المأساة إلى فرصة للنهضة، وعلى أن إرادة السلام أقوى من جراح الحرب.

مقدمة:

منذ استقلال السودان عام 1956 وحتى يومنا هذا، لعب المجتمع المدني دورًا محوريًا في تشكيل التحولات السياسية والاجتماعية. فمن النقابات المهنية وروابط الخريجين، مرورًا بالحركات النسائية، وصولًا إلى المبادرات الشبابية المعاصرة، شكّل المجتمع المدني قوة سياسية واجتماعية ساهمت في مقاومة الاستبداد، وترسيخ القيم الديمقراطية، وحماية الحقوق والحريات.

تتسم تجربة المجتمع المدني السوداني بجذور تاريخية عميقة تعود إلى مرحلة مقاومة الاستعمار، كما تتميز بقدرة متجددة على مواجهة التحديات التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018، والانقلاب العسكري عام 2021، والحرب المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023.

أولاً: مفهوم المجتمع المدني وإطاره السوداني

رغم تعدد التعريفات، يمكن النظر إلى المجتمع المدني في السودان باعتباره مجموعة من المنظمات الطوعية المستقلة عن الدولة والأحزاب السياسية، والتي ينظمها أعضاؤها بإرادتهم الحرة، وتلتزم هذه المنظمات بقيم التسامح واحترام التنوع والعمل السلمي لتحقيق مصالح المجتمع. ويشمل هذا الإطار في السياق السوداني:

  • النقابات المهنية والاتحادات، بما فيها الأحزاب السياسية.
  • منظمات المجتمع المدني، خصوصًا منظمات حقوق الإنسان والتنمية وغيرها.
  • الحركات النسائية والشبابية.
  • المبادرات الشعبية (مثل لجان المقاومة وغرف الطوارئ وغيرها).
  • الجمعيات الاجتماعية كافة، بما فيها الثقافية والتعاونية وغيرها.

إلا أن الخلط بين مفهومي “المدني” و”السياسي”، وغموض المفهوم لدى بعض النخب، أدى إلى نقاشات مستمرة حول حدود أدوار المجتمع المدني وعلاقته بالعمل الحزبي.

ثانيًا: الجذور التاريخية

نشأ المجتمع المدني السوداني في سياق مقاومة الاستعمار. فقد شهدت الأربعينيات والخمسينيات بروز تنظيمات الخريجين والنقابات العمالية وحركات المزارعين. كما شهدت تلك المرحلة نشاطًا طلابيًا ونسائيًا ملحوظًا، تمثل في تأسيس “الاتحاد النسائي السوداني” عام 1952 و”اتحاد الطلاب” عام 1940.

وبعد الاستقلال، توسع دور النقابات المهنية والاتحادات، ونمت الحركات الرياضية والثقافية كجزء لا يتجزأ من النسيج المدني. وارتبط ظهور العديد من منظمات المجتمع المدني آنذاك بالحركات السياسية ذات الطابع التحرري أو الأيديولوجي.

ثالثًا: ثورة ديسمبر 2018 والمجتمع المدني

لعب المجتمع المدني دورًا محوريًا في إسقاط نظام البشير من خلال:

  • تحالف قوى الحرية والتغيير، الذي جمع بين قوى سياسية ونقابية ومدنية.
  • تجمع المهنيين السودانيين، الذي أصبح أيقونة الحراك الثوري.
  • المساهمات الواسعة من لجان المقاومة والمبادرات الشبابية.

إلا أن المشاركة في السلطة الانتقالية كشفت خلافات داخلية حول حدود الدور السياسي، وأدت إلى انقسامات، خاصة في ظل غياب رؤية موحدة لطبيعة العلاقة بين المجتمع المدني والسلطة.

رابعًا: حرب 15 أبريل 2023 وأثرها على المجتمع المدني

شكل اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع لحظة مفصلية، ليس فقط للمجتمع المدني بل لكل السودانيين. ومن أبرز آثارها الكارثية على المجتمع المدني:

  • القمع والتقييد .. إغلاق الفضاءات المدنية واستهداف النشطاء.
  • التحول نحو العمل الإنساني .. انتقال العديد من المبادرات، خاصة القاعدية، إلى أدوار إغاثية.
  • النزوح والشتات .. انتقال النشاط المدني إلى دول الجوار وتأسيس شبكات مدنية في المنفى.
  • عسكرة المجال العام .. تراجع الدور الرقابي وصعوبة ممارسة الضغط السياسي الداخلي.

خامسًا: منظمات الشباب والمجموعات القاعدية

كان الشباب روح الثورة وما زالوا محور النشاط المدني، ومن أبرز أشكال تنظيمهم:

  • لجان المقاومة .. أطر تنظيمية أفقية قادت الحراك الميداني.
  • لجان الخدمات والتغيير .. شراكات مع السلطات المحلية لتحسين الخدمات.
  • غرف الطوارئ .. مبادرات إغاثية محلية لمواجهة الحرب والمجاعة.
  • المطابخ الجماعية والمراكز الصحية .. جهود إنسانية قادتها مجموعات تطوعية.

إن هذه الخصائص، مثل التنظيم الأفقي، واعتماد آليات ديمقراطية تشاركية، وغياب الهرمية، تفتح المجال واسعًا لتحول هذه المجموعات إلى حركة اجتماعية واسعة ذات بعد مدني-سياسي في المستقبل.

سادسًا: التحديات البنيوية

رغم حيويته، يواجه المجتمع المدني السوداني، بما في ذلك شريحة الشباب، أزمات مزمنة أبرزها:

  1. ضعف الوعي الذاتي .. الإفراط في الاعتماد على النماذج والمصطلحات المستوردة، وإهمال الجذور الوطنية التاريخية.
  2. التناقض بين الخطاب والممارسة .. ضعف الديمقراطية الداخلية، احتكار القيادة، وانعدام الشفافية.
  3. مشكلة التمويل .. الاعتماد على التمويل الخارجي.
  4. الغموض حول الدور السياسي .. الخلط بين “اللا حزبي” و”اللا سياسي”، مما يحد من إمكانيات التأثير.
  5. عسكرة المجال العام .. القيود الأمنية والعنف السياسي ضد النشطاء.

سابعًا: آفاق المستقبل

رغم الحرب والانقسام، ما زالت هناك فرص حقيقية لبناء مجتمع مدني أقوى من خلال:

  • إعادة البناء التنظيمي .. تعزيز البنى الديمقراطية الداخلية.
  • تأصيل المفهوم .. ربط الحاضر بجذور الحركة المدنية الوطنية التاريخية.
  • بناء تحالفات أوسع .. بين المجموعات الشبابية والمنظمات النسائية والنقابات المهنية.
  • العمل عبر الحدود .. استثمار وجود النشطاء في الشتات لبناء شبكات دعم وتأثير دولي.
  • الموازنة بين العمل الإغاثي والضغط السياسي .. لضمان عدم استخدام العمل الإنساني كبديل عن المطالبة بالسلام والعدالة.

الخاتمة:

يقف المجتمع المدني السوداني، وخاصة منظماته الشبابية، اليوم أمام اختبار تاريخي. فرغم ما فرضته الحرب من تحديات غير مسبوقة، أظهرت المجموعات القاعدية والشبابية قدرة استثنائية على التكيف والابتكار، وإن الاستثمار في هذه الديناميكية، ومعالجة أزمات الهوية والبنية والتمويل، يمكن أن يجعل المجتمع المدني ركيزة أساسية لإعادة بناء السودان على أسس ديمقراطية، عادلة، وشاملة.

ملاحظات:

هذا القسم مخصص للإجابة عن الأسئلة الجوهرية لهذه الفعالية المنعقدة بمناسبة اليوم الدولي للشباب، والمتعلقة بدور الشباب وقدرتهم على التأثير، وإمكانية صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الجغرافية والسياسية.

الشباب وأجندة وطنية موحدة وسط الانقسامات

السؤال الأول: هل يمكن صياغة أجندة وطنية موحدة للشباب؟ وما الذي يمنع الشباب المستقلين من لعب دور قيادي أخلاقي وسياسي في إيقاف الحرب؟

رغم الانقسامات العميقة، فإن معاناة الشباب السوداني واحدة، تتجسد في التهميش والبطالة وفقدان الأمن وانسداد الآفاق. هذه المشتركات تمثل أساسًا صلبًا لصياغة أجندة وطنية موحدة قائمة على قيم السلام والعدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي.

لكن هناك عقبات تحد من قدرة الشباب على لعب دور قيادي، منها:

  • الإرهاق النفسي والاجتماعي الناتج عن الحرب والنزوح.
  • غياب المساحات الآمنة للحوار والتنظيم.
  • القمع الأمني واستهداف القيادات الشبابية من أطراف النزاع.
  • تفتت المبادرات الشبابية وضعف التنسيق، خاصة بين المناطق.

ومع ذلك، أثبتت تجارب مثل “لجان المقاومة” و”غرف الطوارئ” قدرة الشباب على التنظيم الأفقي والعمل الميداني، مما يجعل القيادة الأخلاقية ممكنة إذا توفّر الدعم والاعتراف بمشروعهم الوطني.

خصوصية أجندة المجتمع المدني مقارنة بأطراف النزاع

السؤال الثاني: ما الذي يميز أجندة المجتمع المدني عن أطراف النزاع؟ وهل يمتلك أدوات ضغط كافية لوقف استغلال الشباب؟

يختلف المجتمع المدني جوهريًا عن أطراف النزاع لأنه:

  1. غير مسلح ويعتمد على الوسائل السلمية والحوار.
  2. يضع المدنيين في قلب اهتماماته، لا السيطرة على السلطة أو الأرض.
  3. يتبنى قيم الشفافية والمساءلة بدلاً من منطق الهيمنة.

لكن قدرته على ممارسة الضغط محدودة نسبيًا لأسباب عدة، منها:

  • ضعف التنسيق بين مكوناته، خاصة بين القاعدة والقيادة.
  • الإفراط في الاعتماد على التمويل الخارجي وما يواجهه أحيانًا من عراقيل.
  • انعدام النفوذ المباشر على الأطراف المسلحة.

ومع ذلك، يمكن للمجتمع المدني أن يؤثر من خلال:

  • حشد الرأي العام المحلي والدولي.
  • فضح انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصًا ضد الشباب.
  • بناء تحالفات إقليمية ودولية لدعم وقف استغلال الشباب في الحرب.

بناء تحالفات شبابية عابرة للانتماءات

السؤال الثالث: كيف يبني المستقلون تحالفات عابرة للمناطق والانتماءات لإيقاف الحرب؟ وما العقبات أمام هذا المسار؟

يمكن أن تبدأ العملية من:

  • شبكات التواصل الرقمي التي تتجاوز الحواجز المكانية.
  • العمل المشترك في قضايا إنسانية مثل الإغاثة والتعليم والصحة لبناء الثقة.
  • صياغة ميثاق شبابي موحد يركز على القضايا المشتركة ويتجنب الخلافية في البداية.

أهم العقبات:

  • الخطاب التحريضي والإعلام الموجَّه الذي يعمق الشكوك المتبادلة.
  • التفاوت في الموارد والفرص بين مناطق السودان.
  • الخوف من الاختراق السياسي أو الأمني للمبادرات المستقلة.

والحل يكمن في حماية استقلالية التحالفات وبناء آليات شفافة لاتخاذ القرار.

دمج أجندة الشباب في مشروع وطني عابر للانقسامات

السؤال الرابع: كيف يمكن دمج أجندة الشباب في مشروع وطني رغم الانقسامات؟ وهل هي أقوى من الانقسامات أم رهينة لها؟

يتطلب دمج أجندة الشباب آليات أبرزها:

  • إشراك ممثلي الشباب في جميع منصات الحوار الوطني.
  • مواءمة أجندة الشباب مع أولويات السلام والتنمية لضمان قبول أوسع.
  • إطلاق حملات توعية وطنية تبرز قضايا الشباب كقضايا قومية.

في هذا السياق، يمكن الاستناد إلى قرار مجلس الأمن رقم 2250 – سبتمبر 2015، الذي مثل أول اعتراف رسمي من الأمم المتحدة بالدور المحوري للشباب في السلام والأمن. وفي السياق السوداني الذي يشهد صراعًا مسلحًا وتراجعًا حادًا في الفضاءات المدنية، تبرز أهمية القرار كإطار مرجعي لتعزيز المشاركة المدنية للشباب.

إن أجندة الشباب تحمل قوة كامنة تفوق الانقسامات، لأنها نابعة من معاناة شاملة لا تفرّق بين منطقة وأخرى. غير أن هذه القوة مهددة إذا ظلت رهينة الاستقطاب السياسي أو الانقسام الجهوي.

نحو مجتمع مدني متجدد

رغم التحديات البنيوية التي يواجهها المجتمع المدني السوداني، بما في ذلك الغموض المفاهيمي، ازدواجية الخطاب والممارسة، ضعف البنى الديمقراطية، والاعتماد على التمويل الخارجي، إلا أن حيوية المجموعات الشبابية، وتجارب المقاومة المدنية، وإرث العمل الطوعي، توفر فرصة تاريخية لإعادة بناء مشروع وطني بقيادة الشباب، واستعادة دور المجتمع المدني كقوة سياسية وأخلاقية في مواجهة الحرب.

إذا تمكن الشباب من تجاوز العقبات النفسية والتنظيمية، وصياغة أجندة موحدة، وبناء تحالفات عابرة للانتماءات، فإن المجتمع المدني السوداني يمكن أن يتحول من ضحية للحرب إلى فاعل رئيسي في إيقافها.

محمد عبدالله – ناشط مدني، ومدافع عن حقوق الانسان.

mohammedabdalluh2000@gmail.com

 12 أغسطس 2025