“الذكاء الاصطناعي، الذي يعد أداة للتقدم والتطوير، يمكن أن يتحول في غياب الرقابة إلى سلاح جديد لقمع الحقوق الأساسية. في مخيمات مثل تندوف، حيث يسيطر الفراغ القانوني، يصبح السكان عرضة للمراقبة الرقمية والقمع الممنهج. مشاركتنا في هذا الحدث تعكس التزام المركز النوبي للسلام والديمقراطية بالدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية، وكشف الانتهاكات، وتعزيز سيادة القانون وحماية الفئات الأكثر هشاشة”
في الأول من أكتوبر 2025، عقد حدث جانبي رفيع المستوى في قصر الأمم بجنيف على هامش الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان، جمع نخبة من خبراء حقوق الإنسان، الأكاديميين، الصحفيين، وممثلي المنظمات غير الحكومية لمناقشة المخاطر المتصاعدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى سيادة القانون والرقابة الفعالة.

نظمت اللقاء “شبكة الوحدة من أجل تنمية موريتانيا”، وسلط الضوء بشكل خاص على مخيمات تندوف كنموذج صارخ لبيئات قد يتحول فيها الذكاء الاصطناعي من أداة للتنمية إلى وسيلة لتعميق العزلة والقمع، وخلال النقاش حذر المشاركون من أن الفراغ التنظيمي حول استخدام التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعي، يفتح المجال أمام أدوات قد تُستخدم لانتهاك حقوق الإنسان بطريقة ممنهجة، مستهدفة الفئات الأكثر هشاشة مثل النساء والشباب والنازحين.
وشارك في الحدث محمد صالح محمد ياسين، رئيس المركز النوبي للسلام والديمقراطية، الذي سلط الضوء على الأبعاد السياسية لهذه القضية، مشدداً على الاستخدام المتزايد لتقنيات المراقبة الخوارزمية كأداة للسيطرة الاجتماعية وقمع الأصوات المعارضة، وأوضح ياسين أن هذا النوع من الرقابة الرقمية لا يهدد فقط الحقوق الفردية، بل يشكل تهديداً مباشراً للعمليات الديمقراطية ويزيد من معاناة المدنيين المحتجزين في بيئات تفتقر إلى سيادة القانون والمساءلة.

كما حذر الدكتور أكسل مازولو، رئيس معهد جنيف لحوكمة الذكاء الاصطناعي، من أن غياب الأطر القانونية والرقابية العالمية يخلق بيئة خصبة لأتمتة انتهاكات حقوق الإنسان، مؤكداً أن مناطق مثل مخيمات تندوف تمثل أكثر البيئات خطورة، حيث سيطرة جماعات مسلحة خارج أي إطار للمساءلة تجعل السكان عرضة للسيطرة الرقمية دون أي سبيل للانتصاف.

من جهته، أشار جورج باباداتوس، ممثل المنظمة الأوروبية للقانون العام، إلى أن أدوات مثل “العدالة التنبؤية”، التي تعتمد على خوارزميات لتوقع السلوك الإجرامي، قد تتحول في غياب الرقابة القضائية إلى أدوات للتنميط والاضطهاد الممنهج، مما يقوض مبادئ العدالة الأساسية ويعزز الانتهاكات بحق الفئات الأكثر هشاشة.

كما ركز الدكتور الإمام بوسيف، رئيس الجمعية الإقليمية للشباب الرواد في الاقتصاد والسياسة، على الأثر المدمر لهذه التقنيات على الشباب، موضحًا كيف أن “فقاعات المعلومات” التي تخلقها الخوارزميات قد تؤدي إلى ما وصفه بـ “التلقين الخوارزمي” المنهجي، ما يعزل الشباب عن العالم الخارجي ويجعلهم فريسة سهلة للتطرف والأيديولوجيات الشمولية.

ولم يغفل الصحفيون المخاطر الإعلامية، حيث شدد آلان جوردان من صحيفة “لا تريبيون دو جنيف” على ضرورة الشفافية وحرية الوصول إلى المعلومات، محذرًا من تضليل الجمهور عبر “الحقائق المصنّعة” باستخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في المناطق المغلقة مثل مخيمات تندوف.

واختتم المشاركون أعمال اللقاء بإصدار نداء جماعي عاجل للمجتمع الدولي، دعا فيه إلى وضع إطار تنظيمي عالمي ملزم للذكاء الاصطناعي قائم على حقوق الإنسان، وضمان مساءلة الدول والشركات التكنولوجية الكبرى عن مسؤولياتها القانونية والأخلاقية. كما شددوا على ضرورة وصول عاجل وغير مشروط لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المستقلة إلى مخيمات تندوف لتقييم الأوضاع وتقديم الحماية للسكان.

وأكد المشاركون أن الحدث نجح في إعادة قضية حقوق الإنسان في مخيمات تندوف إلى صلب الاهتمامات الدولية، في ظل مخاوف متزايدة من أن التكنولوجيا الحديثة قد تتحول إلى أحدث أسلحة الجماعات المسلحة لقمع السكان، وجاءت مشاركة المركز النوبي للسلام والديمقراطية في هذا النقاش كجهد مشترك لدعم مبادرات المجتمع المدني في فضح الانتهاكات والدفاع عن الحقوق الأساسية والكرامة الإنسانية في المناطق الأكثر هشاشة.


