اليوم العالمي للسلام .. والأمل المفقود في السودان!!

“في اليوم العالمي للسلام، يرفع السودان صوته وسط أنقاض حرب عبثية أزهقت أرواح الملايين وشردت عشرات الملايين، لتصبح دعوة السلام أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى .. إن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل وجود للعدالة والكرامة، ويجب أن يكون مسؤولية جماعية، من أجل إعادة الأمل إلى الأطفال، والنساء، والرجال، والشيوخ، وإشعال شعلة المستقبل الذي يستحقه كل سوداني.”

محمد عبدالله، ناشط مدني، ومدافع عن حقوق الإنسان

في الحادي والعشرين من سبتمبر كل عام، يحتفل العالم بـ”اليوم العالمي للسلام”، مناسبة تتجدد فيها الدعوات لإنهاء الصراعات، وتعزيز قيم التسامح والتعايش، والتأكيد على أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو وجود للعدالة والكرامة الإنسانية، ولكن، بينما تضيء شموع الأمل في أرجاء العالم، يظل السودان غارقاً في ظلام حربٍ عبثية ضروس، تلتهم الأخضر واليابس، وتلقي بظلالها الكئيبة على الملايين من أبنائه، لتصبح صرخة السلام من قلب هذا الوطن الجريح هي الأشد إلحاحاً.

منذ أبريل 2023، تحول السودان إلى ساحةٍ لصراع عبثي على السلطة، بين الجيش وقوات الدعم السريع، مخلفًا وراءه كارثة إنسانية غير مسبوقة، والأرقام تتحدث عن نفسها “أكثر من 150 ألف روح أزهقت، وما يقرب من 13 مليون شخص نزحوا من ديارهم، منهم 8.6 مليون داخل السودان، و4.1 مليون فروا إلى دول الجوار كلاجئين”، وهذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي قصص إنسانية مروعة لأسر فقدت كل شيء، لأطفال حرموا من طفولتهم، ولنساء ورجال يواجهون الجوع والمرض والخوف المستمر كل لحظة.

الأوضاع الإنسانية داخل السودان كارثية بكل المقاييس، حيث يواجه المدنيين نقص حاد في الغذاء، والدواء، وشح في المياه النظيفة، وانهيار شبه كامل للقطاع الصحي، حيث أغلقت معظم المستشفيات أبوابها أو خرجت عن الخدمة، والملايين يواجهون خطر المجاعة، وتتزايد أعداد الوفيات بسبب الأمراض وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال وكبار السن، وأما السودانيون في الخارج، فكثيرون منهم يعيشون في مخيمات اللجوء بظروف صعبة، يواجهون ظروف إنسانية قاسية، إضافة الى تحديات الاندماج، ويحملون هم الوطن الجريح في قلوبهم، يتوقون إلى يوم يعودون فيه إلى ديارهم آمنين.

إن هذا النزيف والدمار لا يمكن أن يستمر، وإننا، باسم الإنسانية، نحث أطراف الصراع في السودان على تغليب صوت العقل والضمير، ويجب عليهم أن يدركوا أن استمرار الحرب لن يجلب سوى المزيد من الدمار والمعاناة، وأن النصر الحقيقي لا يكون إلا بإحلال السلام، وندعوهم إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، والجلوس إلى طاولة المفاوضات بجدية وإخلاص، للتوصل إلى حل سياسي شامل ينهي هذه المأساة.

إن تطلعات الشعب السوداني نحو التحول المدني الديمقراطي، التي عبر عنها في ثورته المجيدة، يجب أن تتحقق .. فالسلطة الحقيقية هي للشعب، وعليه أن يقرر مصيره بنفسه بعيداً عن فوهات البنادق، وإن تحقيق السلام والاستقرار يمهد الطريق لبناء دولة مدنية ديمقراطية، تضمن حقوق جميع مواطنيها، وتوفر لهم سبل العيش الكريم، وتعيد للسودان مكانته الطبيعية بين الأمم.

وفي هذا السياق، نناشد المجتمع الدولي والإقليمي، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، لتكثيف جهودهم والضغط بكل السبل الممكنة على أطراف النزاع، ويجب أن تكون هناك إرادة دولية حقيقية لوقف هذه الحرب، وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وإن التنسيق بين المبادرات المتعددة أمر حيوي لضمان فعاليتها، فالسلام في السودان هو مسؤولية جماعية.

في اليوم العالمي للسلام، نرفع صوتنا عالياً من أجل السودان، ومن أجل أطفاله، ونسائه، ورجاله، وشيوخه، ومن أجل مستقبل يستحقه هذا الوطن العظيم .. لنجعل من هذا اليوم نقطة تحول، تبدأ منها مسيرة حقيقية نحو السلام، مسيرة تعيد الأمل إلى قلوب السودانيين، وتضيء دروبهم نحو غد أفضل، غدٍ يسوده الأمن والاستقرار والعدالة والديمقراطية.

mohammedabdalluh2000@gmail.com