السودان: لماذا يجب استمرار بعثة تقصي الحقائق؟
“في قلب مأساة السودان، حيث المدنيون يدفعون الثمن الأغلى للحرب، تبرز بعثة تقصي الحقائق كمنارة للأمل والضمير، وان توثيق الانتهاكات، وحفظ الأدلة، ومحاسبة الجناة ليس خيارًا، بل واجب عالمي وضرورة أخلاقية، وكل شهادة، وكل دليل، هو صرخة للعدالة وضمان لحقوق الضحايا، ورسالة للعالم .. بان الإنسانية لن تصمت، والحق سيبقى نبراسًا يوجه طريق السلام والكرامة لكل السودانيين.”
محمد عبدالله – ناشط مدني، مدافع عن حقوق الانسان
في قلب مأساة السودان، حيث تتعاقب الحرب والدمار، وتتعمق الجروح، وتتكاثر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، تظهر البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق كمنارة للأمل والضمير وسط الظلام. أُنشئت هذه المهمة بقرار من مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2023، ولم تكن يوما مجرد آلية بيروقراطية؛ بل تجسد ضميرًا عالميًا يرفض الصمت أمام فظائع تتجاوز كل تصور، ومع اقتراب انتهاء ولايتها، أصبح تجديدها ضرورة وجودية لا تقبل المساومة. السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصمت، بل إلى صوت ينطق بالحق، ويطالب بالعدالة، ويكسر جدار التواطؤ والإنكار الدولي.”
وصف التقرير الأخير للمهمة الصراع المستمر بأنه “حرب فظائع”. ولم يترك تقرير 5 سبتمبر 2025 أدنى شك بان المدنيون هم وقود هذه الحرب، يدفعون الثمن الأغلى بدمائهم وحياتهم، والأطراف المتحاربة تستهدف المدنيين عمدًا، وترتكب جرائم حرب واسعة النطاق، بعضها قد يصل إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد والإبادة، وان حجم الانتهاكات الموثقة يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية لا مفر منها. إن السودان اليوم يعكس أقبح وجوه الإنسانية حين ينتزع من السلطة قيمها، ويكشف هشاشة النظام الدولي أمام قوة العنف الخام.
كشفت البعثة حقائق صادمة عن استمرار الهجمات المباشرة على المدنيين، وتدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات، والأسواق، وأنظمة الغذاء والمياه، ومخيمات النزوح، بشكل منهجي، وهذا الدمار لا يهدف فقط لإلحاق الضرر بالمدنيين، بل لسلبهم سبل عيشهم ايضا، وهو أفعال قد تصل إلى حد الإبادة الجماعية. كما وثقت المهمة جرائم فظيعة، تشمل القتل، والتعذيب، والاستعباد، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والتهجير القسري، والاضطهاد على أسس عرقية وسياسية، وهذه ليست إحصاءات باردة، بل شهادات مليئة بالألم، صرخات لأناس مزقهم القسوة التي لا توصف، وكل شهادة، وكل دليل يجمع، هو صرخة مدوية للعدالة وإدانة للظلم.
استمرار مهمة تقصي الحقائق ضرورة مطلقة لعدة أسباب:
- الوضع الإنساني كارثي .. أكثر من 12.1 مليون شخص نازح، ونصف السكان تقريبًا يواجهون انعدام الأمن الغذائي. في ظل عرقلة المساعدات الإنسانية واستهداف القوافل، يصبح وجود هيئة مستقلة لتوثيق الانتهاكات وكشف الجناة أمرًا حيويًا لضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين. كما تلعب المهمة دورًا محوريًا في جمع وتحليل الأدلة وفق أعلى المعايير الدولية، بما في ذلك شهادات الضحايا والمواد الجنائية، وهو حجر الزاوية لأي عملية محاسبة مستقبلية. بدونها، ستسود الإفلات من العقاب وتشجع المزيد من الانتهاكات.
- تحديد المسؤولين .. يشمل تفويض المهمة تحديد المسؤولية الفردية والمؤسسية، لضرب جوهر الإفلات من العقاب وضمان المساءلة على المستويين الفردي والجماعي.
- تقديم توصيات عملية .. ترسم البعثة خارطة طريق لمكافحة الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة للضحايا، وهي ليست كلمات فارغة بل خطوات ملموسة نحو سلام مستدام قائم على العدالة.
السخرية المؤلمة هي أن رفض سلطات الامر الواقع في بورتسودان السماح بدخول البعثة يعد دليلًا قاطعًا على ذنبهم واجرامهم، فالقيادة تعرف أن قواتها متورطة في جرائم لا توصف، وما شاهده العالم حتى الآن ليس سوى جزء يسير من الحقيقة، وان عرقلة البعثة محاولة يائسة لكتم الأدلة وإسكات الضحايا، وإعلان صارخ عن الخوف من العدالة والحقيقة.
أناشد شعوب الدول التي تقف حكوماتها مع سلطات الامر الواقع في بورتسودان، والمتوقعة أن تصوت ضد تجديد البعثة، أن تدرك خطورة موقف حكوماتهم، وان أي حكومة تسعى لدفن الحقيقة وحماية مرتكبي الفظائع لا تستحق الاحترام، وهي متواطئة في الجرائم نفسها، وعلى شعوب تلك الدول رفض هذا التواطؤ والوقوف مع الشعب السوداني في محنته، دفاعًا عن الإنسانية التي لا تعرف حدودًا ولا تقسيمًا.
لقد دعت المهمة المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل، وفرض حظر على الأسلحة، دعم المحكمة الجنائية الدولية، إنشاء آلية قضائية مستقلة للسودان، وتفعيل الولاية القضائية الشاملة لمحاسبة الجناة، وهذه الدعوات، التي ترددها منظمات حقوق الإنسان والمجموعات السياسية التي تطالب بتمديد المهمة لعامين إضافيين، تؤكد أن العمل لم ينته بعد، وأن وجود البعثة أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
تجديد ولاية مهمة تقصي الحقائق في السودان ليس خطوة شكلية في الأمم المتحدة، بل التزام أخلاقي وإنساني عميق، وهو إعلان واضح أن المجتمع الدولي لن يبقى متفرجًا أمام الفظائع، وأن العدالة ستظل مطلبًا لا ينتهي .. والحقيقة أقوى سلاح ضد الظلم، زالعدالة هي أساس بناء الأمم، والإنسانية هي القيمة العليا التي يجب أن تسود فوق كل اعتبار.
محمد عبدالله – ناشط مدني، مدافع عن حقوق الانسان
7 سبتمبر 2025
المراجع:
- “Fact-Finding Mission: War Crimes Committed on a Wide Scale in Sudan | UN News.” news.un.org. 5 سبتمبر 2025. رابط المصدر


